أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
186
العقد الفريد
استسقى عمر غمس إبهامه في الماء ثم سقاه ؛ فمرض مرضه الذي مات فيه ، فدخل عليه مسلمة بن عبد الملك فوقف عند رأسه فقال : جزاك اللّه يا أمير المؤمنين عنا خيرا ؛ فلقد عطفت علينا قلوبا كانت عنا نافرة ، وجعلت لنا في الصالحين ذكرا . زياد عن مالك قال : دخل مسلمة بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز في المرضة التي مات فيها ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، إنك فطمت أفواه ولدك عن هذا المال ، وتركتهم عالة . ولا بدّ لهم من شيء يصلحهم ، فلو أوصيت بهم إليّ أو إلى نظرائك من أهل بيتك لكفيتك مئونتهم إن شاء اللّه . فقال عمر أجلسوني . فأجلسوه ، فقال : الحمد للّه ، أبالفقر تخوّفني يا مسلمة ؟ أما ما ذكرت أني فطمت أفواه ولدي عن هذا المال وتركتهم عالة ، فإني لم أمنعهم حقا هو لهم ، ولم أعطهم حقا هو لغيرهم ؛ وأما ما سألت من الوصاة إليك أو إلى نظرائك من أهل بيتي ، فإن وصيتي بهم إلى اللّه الذي نزّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين ؛ وإنما بنو عمر أحد رجلين : رجل اتقى اللّه فجعل اللّه له من أمره يسرا ورزقه من حيث لا يتحسب ، ورجل غيّر وفجر « 1 » فلا يكون عمر أول من أعانه على ارتكابه . ادعوا لي بنيّ - فدعوهم ، وهم يومئذ اثنا عشر غلاما ، فجعل يصعّد بصره فيهم ويصوّبه حتى اغرورقت عيناه بالدمع - ثم قال : بنفسي فتية تركتهم ولا مال لهم ! يا بني ، إني قد تركتكم من اللّه بخير ، إنكم لا تمرّون على مسلم ولا معاهد إلا ولكم عليه حق واجب إن شاء اللّه ، يا بنيّ ، ميّلت رأيي بين أن تفتقروا في الدنيا وبين أن يدخل أبوكم النار ، فكان أن تفتقروا إلى آخر الأبد خيرا من دخول أبيكم يوما واحدا في النار ؛ قوموا يا بنيّ عصمكم اللّه ورزقكم ! قال : فما احتاج أحد من أولاد عمر ولا افتقر . واشترى عمر بن عبد العزيز من صاحب دير شمعان موضع قبره بأربعين درهما ومرض تسعة أيام ومات رضي اللّه عنه يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى
--> ( 1 ) فجر : انبعث في المعاصي غير مكترث .